الراغب الأصفهاني
117
الذريعة إلى مكارم الشريعة
صعوبة إصلاح القوة الشهوية وما في هذه القوة من المنفعة والمضرة « 1 » أصعب هذه القوى الثلاث مداواة قمع الشهوة ؛ لأنها أقدم القوى وجودا في الإنسان ، وأشدّها به تشبثا ، وأكثرها منه تمكنا ، فإنها تولد معه وتوجد فيه وفي الحيوان الذي هو جنسه ، بل في النبات الذي هو جنس جنسه « 2 » ، ثم توجد فيه قوة الحمية ، ثم آخرا توجد فيه قوة الفكر والنطق والتمييز . ولا يصير الإنسان خارجا من جملة البهائم ، وأسر الهوى إلا بإماتة الشهوات البهيمية أو بقهرها وقمعها إن لم يمكنه إماتتها « 3 » . فهي التي تضره وتغره ، وتصرفه عن طريق الآخرة ، وتثبطه « 4 » . ومتى قهرها وأماتها « 5 » صار الإنسان حرا نقيا ، بل يصير إلهيا ربانيا ، فتقل حاجاته ويصير غنيا عما في يد غيره ، وسخيا بما في يده ومحسنا في معاملاته . فإن قيل : فإذا كانت قوة الشهوة بهذه المثابة في الإضرار فأي حكمة اقتضت أن يبلى بها الإنسان « 6 » ؟ قيل الشهوة إنما تكون مذمومة إذا كانت مفرطة ، وأهملها صاحبها حتى ملكت القوى ، فأما إذا أدّبت فهي المبلغة إلى السعادة ، وجوار رب العزة ،
--> ( 1 ) العنوان هكذا من جميع النسخ ليتكامل ، ففي د سقطت « صعوبة ، وفي أسقطت « والمضرة » وفي ط « القوى » بالجمع ، ولعلها خطأ طباعي تناقلته المصورات فيما بعد . ( 2 ) لعله يقصد جانب الحس في النبات ، والإ فالميل بالمعنى النفسي مستبعد هنا . ( 3 ) في د ، ط إماتته إياها ، والاتصال هنا أولى من استخدام ضمير الفصل . وليس المطلوب من الإنسان إماتتها لأنها دافع حياة / كما سيجيء بعد سطور / لكن المطلوب هو توجيه الشهوات وضبطها . ( 4 ) « وتثبته » في أفقط . ( 5 ) في ط « قمعه أو أماته » وسياق الضمائر قبلها ينكر ذلك . ( 6 ) « الإنسان » ساقطة من أفقط ، وهي ذات دلالة هنا ، فالابتلاء للإنسان .